بعد التجربةمدونة حمد

بعد التجربة — منشور 01

لما بدأت أفهم نفسي تغيّر كل شيء

حين تتحول الحياة من فوضى ومحاولات متكررة إلى مشروع تعيشه بوعي وخطة

٢٧ فبراير ٢٠٢٦|8 دقائق للقراءة

في فترة ما من حياتي، وصلت لمرحلة كنت أشعر فيها أني أتحرك كثير لكن لا يوجد أي تقدم. كل يوم فيه جهد، فيه تعب، لكن ما كنت أرى نتيجة حقيقية. كنت أشعر أني عالق في دائرة: أشتغل، أتعلم، أحاول — لكن من دون وضوح. ما كانت المشكلة في الكسل ولا في النية. كنت مجتهد فعلًا، لكن بطريقة عشوائية. الأغرب من كل هذا أني ما كنت أفهم المشكلة. كنت أظن أن الحل هو المزيد — مزيد من الجهد، مزيد من الساعات. فكنت أزيد، وأتعب، ثم أتوقف لأني محترق، ثم أرجع من جديد وأحاول أبدأ من الصفر. وهكذا دارت الدائرة. هذا النوع من الإرهاق مو نوع الإرهاق اللي تشعر فيه بعد يوم إنجاز حقيقي. هذا إرهاق من نوع مختلف — إرهاق من الحركة بدون معنى. من المجهود بدون اتجاه. ومع الوقت يصير أثقل لأنه يجيب معه سؤال مزعج هل أنا المشكلة؟

وفي لحظة صمت معينة أو بالأصح لحظة وعي، جلست مع نفسي وقلت: يمكن ما أحتاج أشتغل أكثر يمكن أحتاج أفهم نفسي أكثر.

ومن هنا بدأ التغيير الحقيقي.


أول فكرة كانت سبب في التغير هي " تصميم نمط الحياة "

تعرفت على مفهوم اسمه "Lifestyle Design" — تصميم نمط الحياة. قبل ما أشرح الفكرة، أبغى أقول شيء مهم أول ما سمعت العنوان، ظنيت أنه مو لي. كنت أتخيله مفهوم لأصحاب الأعمال الحرة اللي يشتغلون من الشاطئ. لكن لما تعمّقت فيه، اكتشفت أنه أعمق وأشمل من هذا.

الفكرة في جوهرها بسيطة جداً: بدل ما تترك حياتك تمشي بالصدفة — يعني تسير بناء على ما جاء أمامك أو ما تعودت عليه — تتعامل معها كشيء تصممه بوعي وقرار. اللي أعجبني في هذا المفهوم هو أنه واقعي. مو نوع التفكير التحفيزي اللي يقول أحلم بحياتك المثالية وستتحقق، بل يقول: افهم وين أنت الآن بدقة وصدق، حدد وين تبغى تكون بوضوح، ثم ارسم طريق واضح بين الاثنين.

الجزء الأصعب في هذا كله كان الجزء الأول — أني أفهم وين أنا الآن بصدق. لأن الصدق مع النفس مو سهل. إحنا أحياناً نتجنب هذا السؤال لأن الإجابة قد تكون غير مريحة. لكني جلست فعلاً وأجريت تحليل كامل لوضعي الحالي: صحتي الجسدية والنفسية، مستوى تعليمي ومهاراتي، علاقاتي، طريقة قضائي لوقتي، ووضعي مالي. بعضها كان واضح، وبعضها كشف لي أشياء ما كنت منتبه لها.

بعدها جاء السؤال الأعمق: مين الشخص اللي أبغى أكونه؟

مو فقط في المسار المهني — بل في شخصيتي، في طريقة تعاملي مع الضغط، في علاقاتي، في نمط يومي، في كيف أشعر عن نفسي لما أنام. هذه الأسئلة كانت مختلفة عن أسئلة الأهداف التقليدية. ما سألتني " ايش تبي تحقق؟ " بل سألتني " مين تبي تكون؟ " الفرق بين السؤالين أكبر مما يبدو. الأول يقودك لقائمة إنجازات، والثاني يقودك لهوية تسعى لتجسيدها. ومن يوم ما بدأت أفكر بهذه الطريقة، صارت قراراتي اليومية أوضح. لأن عندي الآن مرجع أرجع له حين أتردد: " هل هذا يقرّبني من الشخص اللي أبي أكونه ؟ "

باختصار: تصميم نمط الحياة مو خطة ثابتة تصيغها مرة وتنتهي. هو طريقة تفكير تعيشها باستمرار — تسأل فيها نفسك بصدق وين أنت، وتحدد وين تبغى تكون، وترسم الطريق بينهما بوعي. الفرق بينه وبين الطريقة العشوائية مو في الجهد، بل في الاتجاه. نفس الطاقة، لكن هذه المرة لها وجهة.


الفكرة الثانية هي أن " الأنظمة أهم من الأهداف "

لفترة طويلة كنت أعيش بعقلية قائمة الأهداف. كل بداية سنة، كل ربع سنة، أكتب قائمة طموحة: " أبغى أقرأ 20 كتاب، أخسر 10 كيلو، أتعلم مهارة كذا، أحقق كذا وكذا. " الكتابة نفسها كانت تعطيني إحساس جميل بالإنجاز — وكأن مجرد كتابة الهدف يعني أني في الطريق. ثم تمر الأشهر. وفي المراجعة السنوية أجلس مع نفسي وأكتشف أني حققت جزء بسيط مما كتبته. فأبدأ دورة اللوم المعروفة: " ما فيني إرادة، تشتتت، غير منضبط. "

الحقيقة اللي اكتشفتها لاحقاً كانت مختلفة تماماً: المشكلة مو في إرادتي. المشكلة كانت في الطريقة نفسها. الأهداف محدودة الزمن — سنة، ثلاثة شهور، نهاية الشهر — تضع عليك ضغط، ولما ما تحققها بالوقت المحدد يكون الإحساس بالفشل أكبر من إحساس التقدم الي حدث فعلاً. وكثير ما يكون الشخص قد تقدم بشكل حقيقي، لكن لأنه لم يصل للرقم المحدد، يشعر بالإخفاق. وهذا شيء واقعي لأن حتى في الشركات كثير من الـ KPIs ما تتحق بالملي. ولكن الإنسان بطبعه يسعى للكمال والكمال لله سبحانه وتعالى وحده.

لكن الفكرة اللي غيرت تفكيري كانت أعمق من هذا وهي أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من النتيجة، بل من الهوية. خلوني أشرح هذا بمثال واقعي:

  1. " أبغى أنزل وزني 10 كيلو خلال ستة شهور "

  2. "أبغى أكون شخصاً صحياً"

يبدو الفرق صغير بينهم، لكنه ضخم في كيف تعيش يومك. الشخص اللي هدفه ينزل وزن معين، يتصارع مع كل اختيار غذائي لأن هناك رقم في ذهنه يضغط عليه. أما الشخص اللي يرى نفسه صحياً بالأساس، اختياراته الصحية تصير أسهل لأنها منسجمة مع هويته. من هنا صار تفكيري يتحول بدل ما أسأل " ايش أبغى أحقق؟ "، بدأت أسأل أولاً " مين أبغى أكون؟ "، وثانياً " ايش هي الأنظمة اليومية الصغيرة اللي تقربني من هذه النسخة من نفسي؟ "

والفرق اللي لاحظته في حياتي كان ملموس. بدأت أبني عادات يومية بسيطة، مو لأن فيه هدف زمني يضغط علي، بل لأنها تعبّر عن الشخص اللي أريد أكونه. الزمن مر، وبدون ما أشعر بإنجاز "استثنائي" في يوم بعينه، التفتّ ووجدت نفسي في مكان مختلف. بكل اختصار تحررت من ضغط الأهداف الزمنية. التراكم كان يحدث بهدوء.


الفكرة الثالثة هي " العقل الثاني "


معضلة ثانية كانت تعيق تطوري، وهي أن كل ما كنت أتعلمه كان يتبخر مع الوقت. أنتهي من برنامج تدريبي، آخذ ملاحظات، وبعد شهرين أتذكر فقط أني أكملته. أقرأ كتاب فيه أفكار رائعة، وبعد فترة لا يبقى معي إلا عنوانه. أحضر محاضرة تغير طريقة تفكيري، ثم تذوب التفاصيل تدريجياً. كنت أتعلم بشكل مستمر، لكن ما كنت أبني شيئ متراكم. كل شيء كان يبدأ من الصفر تقريباً.

المشكلة مو في ذاكرتي بالضرورة، بل في غياب نظام يحفظ هذا التعلم ويجعله قابل للاسترجاع. تعرّفت على مفهوم اسمه Second Brain — العقل الثاني. الفكرة أنك تبني ذاكرة خارجية منظمة مكان واحد تحفظ فيه أفكارك ومصادرك وملاحظاتك وأي معلومة مفيدة تمر بها — بحيث لا تضيع، ولا تبقى مشتتة بين تطبيقات وأوراق وروابط منسية. بدأت أطبق هذا بطريقة عملية أي دورة آخذها، أي كتاب أقرأه، أي فكرة تخطر في بالي، أي مقال مفيد — تدخل فوراً في هذا النظام. أكتب معها الفكرة التي أضافتها لي، الرابط إن كان موجود، وأي مهام أو أفكار ارتبطت بها في ذهني.

التغيير اللي شعرت فيه كان على مستويين. الأول عملي: صار قدرتي على استرجاع المعلومات وتوظيفها أسرع وأدق. الثاني نفسي: ذهب عني ذلك الإحساس المزعج بأني تعلمت شيئاً مهماً يوماً ما لكن ما أتذكره. صار عندي ثقة أن ما تعلمته موجود، منظّم، وأقدر أوصله متى احتجته. هذه الثقة وحدها كانت تخفف من ضغط الحرص على حفظ كل شيء في الرأس. والأجمل في الموضوع، أن العقل الثاني بدأ يعمل كمرآة لتطوري. لما أرجع لملاحظات من قبل سنة أو سنتين، أرى كيف تغير تفكيري. أرى الأسئلة التي كانت تشغلني والإجابات التي وصلت لها. هذا النوع من التوثيق أصبح جزءاً من فهمي لنفسي.



الفكرة الرابعة هي نظام " PARA "

العقل الثاني كفكرة أعجبني، لكني واجهت سؤال عملي وهو كيف أنظم كل هذه المعلومات بطريقة منطقية ومستدامة؟ هنا تعرّفت على نظام PARA — وهو الطريقة العملية لتطبيق فكرة العقل الثاني. النظام يقسم كل شيء في حياتك إلى أربع فئات:

  1. P – Projects: المشاريع التي تعمل عليها حالياً ولها نهاية محددة. مثال: الكورس الذي أدرسه الآن، المشروع الذي أعمل عليه هذا الشهر، المقال الي أكتبه.

  2. A – Areas: المجالات المستمرة في حياتن الي ليس لها نهاية محددة. المجال المهني، المعرفي، الإيماني، المالي، الصحي، وأيضاً العلاقات. — هذه مجالات تهتم بها دائماً، مو مشاريع تنتهي.

  3. R – Resources: المصادر والملاحظات والمعلومات المرتبطة بمجالاتك ومشاريعك. الكتب، المقالات، الأفكار، أي مرجع قد تحتاجه.

  4. A – Archive: كل شيء انتهى أو توقف مؤقت. لا تحذفه، بل أرشفه. يمكن تحتاجه في يوم ما.

لما طبّقت هذا النظام، حصل شيء ما كنت أتوقعه اكتشفت كم كانت حياتي مليئة بـ فوضى منظّمة. بمعنى، الأشياء كلها موجودة، لكن بدون هيكل واضح. فكرة هنا، ملف هناك، رابط في مكان آخر. مع PARA، صار لكل شيء مكانه الطبيعي، وصارت المراجعة الأسبوعية أو الشهرية لحياتي أسهل وأكثر وضوح. أقدر أفتح نظامي وأرى في دقائق: على ماذا أعمل الآن؟ ما المجالات التي أهملتها؟ ما المشاريع التي توقفت؟


اليوم لما أتأمل هذه الرحلة كلها — اللحظات التي كنت فيها أتحرك بدون اتجاه، والفترات التي كنت ألوم فيها نفسي ظناً أن المشكلة فيني — أدركت أن التغيير الحقيقي لا يحتاج بداية مثالية. لا يحتاج أن تكون جاهز بالكامل أو تملك كل الإجابات. يحتاج فقط لحظة صدق واحدة مع نفسك. هذه المفاهيم الأربعة كانت طبقات متراكمة أضافت بعضها فوق بعض ببطء. تصميم نمط الحياة أعطاني الاتجاه العام. الأنظمة اليومية بنتني خطوة بعد خطوة. والعقل الثاني مع نظام PARA حافظا على كل ما تعلمته وجعلاه قابلاً للاستخدام.

التغيير حين يكون بطيئ وعميق — هذا بالضبط ما يجعله يدوم. لأنه لا يعتمد على موجة حماس، بل على نظام تعيشه يومياً حتى يصبح جزءاً من هويتك.

وهذه هي البداية التي لا تنتهي.

التالي في النشرة

القراءة الثانية التي غيّرت الأولى

اقرأ المنشور 2
للأعلى