بعد التجربة — منشور 02
القراءة الثانية التي غيّرت الأولى
كيف اكتشفت أن العودة لنفس الصفحة أحيانًا تُعلّم أكثر من كتاب جديد

لفترة طويلة كنت أقرأ الكتب كعادة، مو كفعل حقيقي. أنتهي من كتاب، أنتقل للي بعده. أنتهي منه، أنتقل للي بعده. وأشعر بإحساس خفيف بالإنجاز. وكأن القراءة كانت مسابقة عدد، لا رحلة فهم. كنت أصادف معلومات مثيرة للاهتمام، اقتباسات تبدو عميقة في اللحظة. لكن بعد بسيطة، لو سألني أحد " ايش استفدت من هذا الكتاب؟ " أحاول أتذكر. أخرج بجملة أو اثنتين على الأكثر، وأحياناً حتى هذا ما كان يطلع. الكتاب كان ينتهي، والمعلومة تذوب مع الوقت كأنها لم تكن.
في البداية ظننت أن المشكلة في اختياري للكتب — " يمكن أقرأ كتب ما تناسبني ." فبدأت أختار بعناية أكثر. لكن النتيجة ما تغيرت. ثم ظننت أن المشكلة في تركيزي — " يمكن أشتت وأنا أقرأ. " فبدأت أقرأ في أوقات أهدأ. لكن المشكلة ظلت كما هي.
الاكتشاف جاء لما سألت نفسي سؤال مختلف تماماً: أنا أقرأ لماذا بالضبط؟
والإجابة الصادقة كانت: " لأني أحس إن لازم أقرأ. " مو لأني أسعى لفهم معين. مو لأني أبحث عن إجابة لسؤال حقيقي في حياتي. بل لأن القراءة صارت هوية أحرص عليها — وليست عملية تعلم حقيقية. كنت أقرأ للحظة، لا للمعرفة. وهنا قررت أتعلم من جديد كيف أقرأ — بطريقة مختلفة تماماً وهي مبنية على الفهم والمعرفة. طريقة تقوم على مرحلتين بدل مرحلة واحدة.
المرحلة الأولى - القراءة بعين الباحث
القراءة الأولى صارت مرحلة استكشاف. أقرأ بتركيز كامل، ومعي قلم رصاص في يدي. لكن ما أوقف كثير، ولا أدون ملاحظات مطولة. الهدف الوحيد في هذه المرحلة هو أن أتتبع الأفكار التي تستحق التوقف — وأضع عليها علامة بسيطة على الهامش. طورت لنفسي نظاماً صغيراً للرموز:
⭐تعني معلومة مهمة أو فكرة أعجبتني
" تعني اقتباس يستحق الحفظ
Ex تعني مثال توضيحي مفيد
Def تعني تعريف
هذه العلامات الصغيرة كانت مهمتها الوحيدة تقول لي هنا في شيء يستاهل ترجع له. القراءة الأولى صارت لحصد الأفكار، والبحث عن المعنى.
المرحلة الثانية - القراءة بعين المتأمل
في اليوم التالي أفتح نفس الكتاب. لكن هذه المرة لا أقرأ كل شيء. أقرأ فقط الأجزاء التي وضعت عليها علامات في المرحلة الأولى. ومعي هذه المرة markers بأربعة ألوان، كل لون لنوع من الأفكار. أبطّئ، أفكر، وأسأل نفسي بصدق:
وش المقصود فعلاً من هذه الفكرة؟
كيف ترتبط بحياتي أو عملي؟
هل أتفق معها؟ هل تتعارض مع شيء أعتقده؟
ايش تعلمت منها فعلاً؟
هذه الأسئلة هي الفرق بين القراءة السطحية والقراءة العميقة. القراءة السطحية تسألك ماذا يقول الكاتب؟ والقراءة العميقة تسألك ماذا يعني هذا لك أنت؟
بعد ما أنتهي من هذه المرحلة، أفتح نظام التلخيص اللي استخدمه. لكل كتاب مجلد، ولكل فصل صفحة. فيها أكتب خلاصة فهمي — لا أنقل جمل من الكتاب، بل أترجم الأفكار بلغتي أنا، بأسلوبي، وبفهمي الشخصي. الفكرة التي لا تقدر تشرحها بكلماتك الخاصة، هي فكرة لم تفهمها بعد. وهذا الفرق بين نقل المعلومة و استيعاب المعلومة كان أحد أكبر الدروس التي تعلمتها.
من يوم ما بدأت أقرأ بهذه الطريقة، تغير الكثير. صرت أستوعب أكثر وأتذكر بسهولة. الكتب صارت تبقى معي بعد ما أنتهي منها — لا كقائمة معلومات، بل كأفكار مدمجة في طريقة تفكيري. أحياناً أكون في موقف ما وتخطر في بالي فكرة من كتاب قرأته قبل أشهر، وأستطيع أن أوظفها فعلاً. لكن التغيير الأعمق كان في طريقة نظرتي للقراءة نفسها. صرت أشوفها مو كعدد كتب أنجزها، بل كرحلة فهم تبني داخلي طبقة فوق طبقة. كل كتاب لا يقاس بعدد صفحاته، بل بعمق الأثر الذي تركه.
القراءة الأولى تعلمني ماذا يُقال. القراءة الثانية تخليني أفهم ماذا يعني هذا لي. والفرق بين الجملتين هو الفرق بين معلومة تعرفها ومعلومة تعيشها. لم تتغير الكتب. أنا اللي تعلّمت أقرأها بطريقة مختلفة.
القراءة الحقيقية ليست في عدد الكتب التي تنهيها، بل في عمق ما تأخذ منها. قسم قراءتك لمرحلتين — استكشف أولاً، ثم تأمل وافهم. الفكرة التي تقدر تشرحها بكلماتك هي الفكرة التي ستبقى معك.