بعد التجربة — تدوينة 03
لا تجمع المعرفة ابنِ نظام يديرها
كيف تطورت طريقتي في إدارة المعرفة الشخصية، ولماذا أبحث عن طريقة مختلفة هذه المرة؟

قبل خمس سنوات تقريباً، كنت أحاول ألقى طريقة أجمع فيها الأشياء اللي أتعلمها والمعلومات اللي تمر علي وأحتاج أرجع لها لاحقاً. لكن وقتها، كل نوع من المحتوى كان له مكان مختلف. إذا قرأت كتاب وأردت الاحتفاظ بأهم أفكاره، كنت ألخصه في ملف Word مستقل. أما ملاحظات التعلم والمذاكرة، فكنت أستخدم لها أداة مثل Onenote، أكتب فيها المعلومات وأرجع لها وقت الحاجة. وفي المقابل، كانت تمر علي في مواقع التواصل أفكار ومعلومات تستحق الاحتفاظ بها، فكنت أحفظها في الـ Bookmarks. أما المهام اليومية، فكنت أستخدم لها Todoist.كل أداة كانت تؤدي غرضها، والمشكلة ما كانت في أداة بعينها، بل في عدم الترابط بينها. ملخص الكتاب موجود في ملف Word، والمعلومة اللي قرأتها أثناء التعلم في مكان آخر، والفكرة اللي حفظتها من مواقع التواصل مدفونة بين الـ Bookmarks، والمهمة المرتبطة بكل هذا قد تكون في Todoist. ومع مرور الوقت، صار عندي محتوى كثير، لكن الوصول إليه والاستفادة منه ما كان بالسهولة اللي أتمناها. أحيانًا أتذكر أني حفظت معلومة مفيدة، لكن أحتاج أبحث في أكثر من مكان عشان ألقاها، وحتى إذا وجدتها، ما يكون واضح دائمًا كيف ترتبط بالأشياء الأخرى اللي تعلمتها. كنت أجمع المعلومات، لكن ما كان عندي نظام يربطها ببعض ويسهل علي الرجوع لها. وهذا الفرق اللي بدأت أنتبه له الاحتفاظ بالمعلومة شيء، والقدرة على الوصول لها والاستفادة منها وقت الحاجة شيء آخر.
كنت أحاول أنظم كل شيء بطريقتي، لكن ما وصلت إلى نظام أقدر أستمر عليه. إلى أن تعرفت على Tiago Forte وشرح فكرة Second Brain، وكيف يمكن أن نبني نظام خارجي نحتفظ فيه بالمعلومات والأفكار المهمة بدل ما نعتمد على ذاكرتنا وحدها. الفكرة كانت مناسبة جدًا لاحتياجي وقتها. بدأت أطبقها باستخدام Notion، ومع الوقت صار عندي مكان أرجع له في ملاحظاتي ومهامي وأفكاري ومشاريعي. بدل ما أبدأ من الصفر كل مرة، صرت أقدر أحتفظ بما أتعلمه وأرجع له عند الحاجة.
وهنا نقطة مهمة تجربتي مع Notion ما كانت تجربة سيئة أنتظر الفرصة عشان أتركها. بالعكس، استمريت عليه أكثر من أربع سنوات، وهذه مدة كافية بالنسبة لي عشان أعرف قيمة النظام اللي بنيته، وأفهم كيف أستخدمه في حياتي اليومية. لكن خلال السنوات الأربع، أنا نفسي تغيرت. طريقة تعاملي مع المعلومات تطورت، وصرت أفكر في أشياء ما كانت ضمن احتياجاتي الأولى. ومع هذا التغيير، بدأت أراجع النظام اللي أعتمد عليه، مو لأني أبغى أستبدل أداة بأداة لمجرد التجربة، لكن لأني أبغى أبني طريقة تناسب المرحلة اللي وصلت لها الآن.
من تنظيم الملاحظات إلى بناء نظام مترابط
في البداية، كان هدفي بسيطًا وواضحً أجمع المعلومات في مكان واحد وأرتبها بحيث أقدر أرجع لها وقت الحاجة. ومع تعرفي على فكرة Second Brain وتطبيقي لها باستخدام Notion، بدأت أرتب ملاحظاتي وأربط بينها، وصار عندي نظام أرجع له بدل ما أترك المعلومات موزعة بين أدوات مختلفة. لكن مع مرور الوقت، تغيرت الطريقة اللي أنظر بها إلى معرفتي. ما عدت أهتم فقط بكيفية حفظ المعلومة وتنظيمها، بل أصبحت أفكر أكثر في كيفية الاستفادة من العلاقات بينها، وكيف يمكن أن تتطور هذه العلاقات مع كل شيء جديد أتعلمه أو أعمل عليه.
خلني أعطيك مثال ممكن أقرأ في يوم فكرة تعجبني في كتاب، وبعدها بأيام أشاهد مقطع يشرح الفكرة نفسها من زاوية مختلفة، ثم أسمع تجربة شخص مرتبطة بها، أو أحتاج إلى تطبيقها في مشروع أعمل عليه. أقدر أحفظ هذه المعلومات وأربط بينها، لكن ما أبحث عنه الآن هو أن يصبح بناء هذه الروابط وتطويرها جزء أساسي من طريقة تعاملي مع المعرفة، بحيث أستطيع العودة إلى الفكرة، واكتشاف ارتباطاتها، وإضافة ما أتعلمه إليها مع مرور الوقت.
هذا لا يعني أن النظام السابق لم يكن يتيح لي فعل ذلك، بل إن تجربتي معه ساعدتني على فهم ما أحتاجه بصورة أوضح. وبعد أربع سنوات، أصبحت أرغب في تطوير نظامي بحيث تكون العلاقات بين الملاحظات وطريقة التنقل بينها جزءًا محوريًا من بنيته، مع مرونة أكبر في التعامل مع ملفاتي والأدوات التي أستخدمها.
وهنا بدأت أهتم أكثر بطريقة بناء نظام إدارة المعرفة الشخصية Personal Knowledge Management (PKM). المقصود مو مجرد حفظ الملاحظات، بل تنظيم ما نتعلمه بطريقة تساعدنا على استرجاعه وربطه واستخدامه لاحقًا. وهذا بالنسبة لي امتداد طبيعي لفكرة Second Brain، وليس إلغاء لها. النظام اللي بنيته في Notion ساعدني أبدأ وأفهم احتياجاتي، وبعد أربع سنوات صرت أعرف بصورة أوضح احتياجي للمرحلة التالية.
لماذا انتقلت إلى Obsidian؟
الشيء اللي صار يشغلني أكثر هو أن تكون ملفاتي نفسها موجودة عندي محلي، بصيغة Markdown، داخل مجلد أملكه وأقدر أتعامل معه مباشرة. Markdown صيغة نصية بسيطة لكتابة الملاحظات وتنسيقها باستخدام رموز واضحة للعناوين والقوائم والروابط. والميزة اللي تهمني هنا أن الملاحظة ما تكون محصورة في قاعدة بيانات داخل تطبيق معين أقدر أفتح الملف وأقرأه وأعدله بأدوات مختلفة تدعم هذه الصيغة في Notion عند تصدير البيانات العلاقات تفقد ارتباطها. بدأت أجرب Obsidian لهذا السبب، لكن مو لأن وجود الملفات المحلية يعني أن كل شيء صار أفضل تلقائيًا. اللي يهمني هو المرونة اللي يعطيني إياها هذا الأسلوب، خصوصًا مع رغبتي في ربط المعرفة بالأدوات اللي أستخدمها، بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي.
Notion يدعم الذكاء الاصطناعي بالفعل، وهذا مو محل الاعتراض. الفكرة عندي مختلفة لما تكون ملاحظاتي وملفاتي داخل مجلد محلي، يصير عندي مجال أوسع لتجربة أدوات مختلفة على المحتوى نفسه، بحسب ما تسمح به كل أداة وطريقة الوصول إلى الملفات. ما أحتاج أبني كل فكرة جديدة حول تطبيق واحد، وأقدر أغيّر الأدوات مع الوقت دون أن أغير بالضرورة الطريقة اللي أخزن فيها معرفتي. وهذا يقودني إلى الجزء اللي متحمس أجربه أكثر كيف ممكن أستفيد من الذكاء الاصطناعي داخل نظامي المعرفي، بدل ما أتعامل معه كأداة منفصلة أفتحها كل مرة وأشرح لها السياق من جديد؟
مثلًا، ودي أجرب ربط Claude Cowork بملفاتي، بحيث ينشئ لي تقرير يومي كل صباح مُؤتمت. التقرير ممكن يجمع مهام اليوم، والمشاريع اللي أعمل عليها، والأمور اللي تحتاج متابعة، بالاعتماد على المعلومات المتاحة في ملفاتي وملاحظاتي. تخيل أن تبدأ يومك بتقرير مبني على نظامك أنت، بدل ما تبدأ بجمع المعلومات يدويًا من عدة أماكن. بهذه الطريقة غير نظرتي إلى ملفاتي. صرت أفكر فيها على أنها محتوى يمكنني تنظيمه والاستفادة منه بطرق متعددة، وليس مجرد ملاحظات أحتفظ بها للرجوع إليها.
كيف أبني نظامي المعرفي؟
أثناء بناء نظامي الجديد، لفتتني أفكار Nick Milo في منهجية Linking Your Thinking، خصوصًا طريقة تنظيم الملاحظات وربطها باستخدام ما يُعرف بخرائط المحتوى. الفكرة ببساطة أنني لا أريد أن تكون ملاحظاتي مجرد ملفات أفتحها عند الحاجة، بل أريد أن أجد طريقة تربط المعلومات المتشابهة، وتساعدني على التنقل بين الأفكار والموضوعات والمشاريع. لذلك بدأت أستفيد من هذه المنهجية وأكيّفها حسب احتياجي، بدلًا من تطبيق نظام شخص آخر كما هو.
أول خطوة كانت تحديد أنواع المحتوى الذي أتعامل معه، ومعرفة المكان المناسب لكل نوع. هنا أستخدم تقسيم ACE، وهو اختصار لـ Atlas وCalendar وEfforts، باعتباره طريقة لتنظيم محتوى النظام.
Atlas — الخرائط والمراجع: يضم المعلومات التي تساعدني على فهم موضوع معين والرجوع إلى مراجعه.
Calendar — المحتوى المرتبط بالوقت: يضم الملاحظات اليومية والأسبوعية وهي عبارة عن خطة يومية وملخص التي يرتبط معناها بتاريخ محدد أو فترة معينة، مثل أجندة عمل اليوم وسجل الإنجاز، أو مراجعة أسبوعية أريد الرجوع إليها لاحقًا.
Efforts — المشاريع والجهود: يضم ما أعمل على إنجازه، هنا أستطيع جمع ملاحظات المشروع ومهامه وقراراته والمعلومات التي أحتاجها لإنجازه.
أستخدم هذه الأقسام ضمن الهيكل الذي أبنيه وتندرج تحت طبقة IDEAVERSE. والهدف من هذا التقسيم ليس وضع كل معلومة في تصنيف صارم، بل أن أمتلك نقطة بداية واضحة أعرف من خلالها أين أضع المحتوى وكيف أصل إليه لاحقًا. لكن تحديد مكان الملاحظة ليس سوى جزء من الفكرة. الجزء الآخر هو ربط الملاحظات ببعضها حتى أتمكن من رؤية العلاقة بين المعلومات التي أتعلمها في أوقات مختلفة. بدلًا من أن تبقى كل معلومة منفصلة في ملف مختلف، أستطيع ربط الملاحظات ذات الصلة، وإنشاء خريطة محتوى تساعدني على فهم الموضوع والتنقل بين أجزائه. ومع إضافة معلومات جديدة، يمكنني تحديث هذه الروابط وتطوير الخريطة بدلًا من إعادة بناء معرفتي من البداية كل مرة.

لهذا السبب، النظام الذي أبنيه ليس مجرد مجلد مليء بملفات Markdown، بل مجموعة من المجلدات والقوالب والجداول والملاحظات المرتبطة وخرائط المحتوى. لكل عنصر دور محدد: المجلدات تساعدني على تنظيم الملفات، والقوالب توحد طريقة تسجيل بعض أنواع المعلومات، والروابط تصل الملاحظات ببعضها، وخرائط المحتوى تمنحني نقطة أبدأ منها لاستكشاف موضوع أو مشروع. أحاول من خلال ذلك أن أحقق توازنًا بين وجود بنية واضحة تسهل الاستخدام اليومي، ومرونة تسمح لي بتطوير النظام مع تغير احتياجاتي.
كيف أهيّئ النظام للتعامل مع الذكاء الاصطناعي؟
هناك جانب آخر أريد تجربته، وهو جعل ملفاتي أكثر وضوح لأدوات الذكاء الاصطناعي. لذلك أضيف طبقة فوق الطبقة السابقة وهي (Maps & Manuals)، وهي مجموعة من الملفات النصية التي توضح السياق وطريقة العمل. وهي تتضمن ملف يتكلم عن نبذة عني ورؤيتي وأهدافي، ويوضح ملف آخر المشاريع التي أعمل عليها وأهداف كل مشروع وماذا يخدم، بينما يشرح ملف ثالث طريقة تنظيم المجلدات وأماكن العثور على أنواع معينة من المعلومات وأخيراً مهارات أنشأتها لأدوات الذكاء الاصطناعي بحيث يقوم بأداء مهام محددة. بهذه الطريقة لا تكون الملفات مجرد محتوى أقدمه للأداة، بل يصاحبها شرح يساعدها على فهم ما تقرؤه وكيفية التعامل معه.
تخيل أنني طلبت من أداة ذكاء اصطناعي مساعدتي في مراجعة التقدم في أحد مشاريعي. بدلًا من أن أبدأ بشرح المشروع وأهدافه وهيكل ملفاته من الصفر، أستطيع توجيهها إلى الملفات التي تحتوي على هذه المعلومات، بحسب إمكانات الأداة وصلاحيات الوصول المتاحة. هذا لا يعني أنها ستفهم كل شيء تلقائيًا أو أن النتائج ستكون صحيحة دائمًا، لكنه يمنحني طريقة عملية لتوفير السياق وتقليل الشرح المتكرر. ومن الأفكار استخدام هذه الملفات مع أدوات مثل Claude Cowork باستخدام مهارة مثل (Daily Brief) مؤتمة بشكل تلقائي كل يوم الساعة ٧ صباحاً يعطيني تقرير يومي يجمع المهام والمشاريع والأمور التي تحتاج إلى متابعة.
في النهاية، ما أريد الوصول إليه ليس نظام معقد، بل نظام يساعدني على تسجيل ما أتعلمه، وربطه بما أعرفه مسبقًا، واستخدامه في المشاريع التي أعمل عليها وزيادة الإنتاجية. أما مدى نجاح هذا الأسلوب، فما زلت أختبره وأتعرف على ما يناسبني منه. وهذا يجعل الانتقال من نظامي السابق مختلف عن مجرد نقل الملفات من تطبيق إلى آخر. لدي خمس سنوات من الملاحظات والعادات التي اعتدت عليها، ونظام سبق أن ساعدني على التنظيم والاستمرار. لذلك أريد الاحتفاظ بما أثبت فائدته، وتطوير ما أحتاج إلى تغييره، ثم تقييم التجربة بناءً على الاستخدام الفعلي، لا على شكل النظام أو الأفكار التي بُني عليها.
في المقابل، ما أبغى أتمسك بنظام قديم فقط لأنني اعتدت عليه. اللي تعلمته من التجربة السابقة أن النظام الجيد هو اللي يخدم احتياجي في مرحلته، وأنه من الطبيعي أن يتغير مع تغير أهدافنا وطريقة عملنا. لهذا السبب، ما زلت أتعرف على Obsidian وأختبر طريقة تنظيم الملاحظات والملفات المحلية والروابط بينها، وأشوف كيف يمكن أن تتكامل هذه الأشياء مع أدوات الذكاء الاصطناعي. ما عندي حتى الآن نتائج كافية للحكم على التجربة، ولا أقدر أقول إن النظام الجديد أفضل من السابق. الحكم يحتاج استخدام فعلي وفترة من التجربة، ومعرفة الأشياء اللي أصبحت أسهل، والأشياء اللي صارت تحتاج جهد إضافي.
اللي أعرفه الآن أني ما بدأت من الصفر. بدأت من خمس سنوات من التجربة، ومن نظام ساعدني كثير، ومن فهم أوضح لما أحتاجه اليوم. وبعد ما آخذ وقتي في التجربة، سيكون هناك جزء ثانيً أشارك فيه كيف بنيت النظام فعلياً، وكيف رتبت المجلدات والملاحظات، وإيش استفدت من ACE وخرائط المحتوى، وهل قدرت أوصل إلى تجربة عملية لربط ملفاتي بأدوات الذكاء الاصطناعي. إلى ذلك الوقت، هذه مو قصة انتقال اكتملت، بل بداية تطوير نظامي المعرفي ليتناسب مع المرحلة اللي وصلت لها الآن.