نسخة أوضح مني — منشور 02
الوعي - أن ترى نفسك قبل أن تبدأ
الفرق بين أن تفكر - وأن تلاحظ أنك تفكر

تخيل أنك تقود سيارتك في طريق معتاد تسلكه كل يوم، وفجأة تجد نفسك قد وصلت إلى وجهتك دون أن تتذكر تفاصيل الطريق، أو متى انعطفت، أو حتى بماذا كنت تفكر طوال المسافة. هذا ما نسميه بوضع "الطيار الآلي". نحن نعيش أغلب ساعات يومنا بهذا الشكل؛ نأكل، نتحدث، ونتصفح هواتفنا، وربما نتخذ قراراتنا، ونحن في حالة من الغياب الذهني التام.
هناك فرق بين أن تفكر، وأن تلاحظ أنك تفكر.
الأولى يفعلها الجميع، كل لحظة، دون توقف. الثانية شيء مختلف تماماً. هي تلك اللحظة التي تخطو فيها خطوة للخلف وتراقب نفسك وأنت تفكر، كأنك شاهد على ما يجري في داخلك لا مجرد طرف فيه. وهذا الفرق الصغير هو بداية كل شيء.
لفترة طويلة، كنت أظن أنني أعيش بوعي. أتخذ قرارات، أضع أهداف، أخطط. لكن حين توقفت فعلاً وبدأت أراقب نفسي، اكتشفت شيئاً لم يكن مريح كثير من الأشياء التي كنت أسميها (قراراتي) لم تكن قرارات حقيقية. كانت تكرار تلقائي لأنماط تشكلت منذ سنوات. ردود فعل لتوقعات الناس من حولي. استجابات للضغط لا للاختيار. كنت أتحرك لأنني لا أحتمل البقاء ثابتاً، لا لأنني أعرف إلى أين أسير. وحين أدركت هذا، وقفت عند سؤال بسيط لكنه ثقيل:
"هل هذا الشي الي أفعله الآن هو فعلاً رغبتيولا بس جالس أواصل على ما تعودت عليه؟"
الوعي في حياتنا اليومية يُختصر كثيراً. يقولون لك " كن حاضراً في اللحظة " أو " فكر بإيجابية " وكأن الأمر مجرد قرار تتخذه وتنتهي. لكن الوعي الحقيقي أعمق من هذا بكثير. هو القدرة على أن تلاحظ ما يجري داخلك من دون ما تتسرع في الحكم عليه أو تبريره. أفكارك، دوافعك، مشاعرك، وحتى مقاومتك لبعض الأشياء. هو أن تسأل نفسك "ليه أتصرف بهذا الشكل؟" دون أن تنتظر إجابة جاهزة، ودون أن تدافع عن نفسك قبل أن تفهمها. مثل لو كنت تتابع مشهد من مسلسل، لكن الشخصية الرئيسية هي أنت. تراقب، تلاحظ، تسأل. بدون أن تتدخل على الفور.
هذه القدرة يسميها علماء النفس Metacognition، القدرة على التفكير في طريقة تفكيرك. وهي واحدة من أقوى الأدوات التي يمتلكها الإنسان، لكن أقلنا من يستخدمها فعلاً.
وهنا يأتي سؤال لماذا نحتاج الوعي؟
لأننا حين نعيش بدونه، نصبح أسرى ردود الفعل.
نغضب بسرعة دون أن نعرف لماذا. نحبط بسرعة دون أن نفهم ما الذي أحبطنا بصدق. ننجز كثيراً لكن بلا اتجاه. نتعلم كثيراً لكن بلا عمق. ونظن دائماً أن المشكلة في الظروف أو في الناس أو في الوقت، بينما جزء كبير منها يعيش في الداخل، في غياب الرؤية لما يجري فينا فعلاً. الوعي لا يغير الظروف. لكنه يغير طريقة رؤيتك لها. وحين تتغير الرؤية، يتغير رد فعلك. وحين يتغير رد فعلك، يتغير المسار كله.
ما لم نره يسيطر علينا. وما نراه بوضوح يبدأ يفقد سيطرته.
لكن الوعي مؤلم في البداية، وهذا شيء لا أحد يبلغك عنه. حين تبدأ فعلاً بمراقبة نفسك، ستكتشف أشياء لم تكن تريد رؤيتها. ستكتشف مثلاً كم من قراراتك مبنية على الخوف لا على الرغبة الحقيقية. ستكتشف كم من اندفاعك مصدره القلق لا الحماس. ستكتشف كم من صمتك كان تجنب لا حكمة. هذا الألم يشبه ألم العضلة التي بدأت تمرنها بعد خمول طويل. ليس ألم المرض، بل ألم الحياة التي تعود. والمهم هنا أن هذه الاكتشافات ليست لإدانة نفسك. ليست لتقف أمام المرآة وتقول لنفسك "كم كنت غلطان". هي ببساطة لتفهم، ولتتصالح مع ما هو موجود فعلاً قبل أن تحاول تغييره.
الوعي لا يعني أن تكون مثاليا لا يعني أن تتخلص من كل ضعفك أو تتحكم في كل فكرة تمر برأسك. يعني فقط أن تكون حاضر. أن تعرف ضعفك جيداً حتى لا يقودك من الخلف دون أن تشعر. أن ترى نفسك لا كخصم يجب إصلاحه، بل ككائن يتعلم باستمرار كيف يعيش بصدق أكبر. والوعي لا يحتاج إلى تصحيح فوري. لا يلزمك أن ترى شيئ وتغيره في نفس اللحظة. كل ما يحتاجه هو ملاحظة مستمرة وهادئة. لأن هذه الملاحظة وحدها، بمرور الوقت، تزرع فيك عادة النظر قبل الفعل، والفهم قبل الحكم. وهذا وحده كاف لأن يبدأ كل شيء يتغير.
من هذه النقطة بالضبط، من اللحظة التي تقرر فيها أن ترى نفسك بوضوح، يبدأ أي تغيير حقيقي. ليس من خطة جديدة، ولا من قرار كبير. بل من هذا الاختيار الصغير: أن أتوقف، وأراقب، وأفهم.