نسخة أوضح منيمدونة حمد

نسخة أوضح مني — منشور 01

اللحظة الفاصلة - لماذا نشرة نسخة أوضح مني؟

عن الركض الطويل والرغبة المستمرة في استعادة البوصلة

٥ فبراير ٢٠٢٦|4 دقائق للقراءة

في مرحلة ما من حياتنا، يمر علينا سؤال يوقفنا فجأة وسط كل هذا الجري يأتي عادةً في أبسط الأوقات. في الصباح قبل أن تبدأ يومك، أو في المساء وأنت تراجع ما فعلته، تتوقف فجأة، وتسأل نفسك:

" هل الشيء الي جالس أفعله هو فعلاً رغبتني وراح يوصلني للي أطمح له ؟ "

وفي الغالب ما تحصل جواب واضح.

كنت أسعى. أخطط. أجرب. أضغط على نفسي أكثر في كل مرة أشعر فيها بأنني لم أصل. كنت أستيقظ كل يوم بهذا الشعور المزدوج رغبة صادقة في التقدم، وإحساس غامض بأن شيئ ما ناقص. وما كان يحيرني هو أن المشكلة لم تكن في الجهد. كنت أبذل جهد حقيقي. المشكلة كانت في شيء أصعب من الجهد، كانت في الاتجاه. كنت أتحرك كثير، لكنني لم أكن متأكد دائماً إلى أين. وأحياناً كنت أنشغل لأنني لا أحتمل أن أبقى دون حركة، لا لأني أعرف الوجهة بوضوح. هذا النوع من الحياة مرهق بطريقة خاصة. ليس إرهاق التعب الجسدي، بل إرهاق الشخص الذي يجري بكل طاقته لكنه لا يعرف إذا كان يقترب من وجهته أم يبتعد عنها.

ثم جاءت تلك اللحظة.

لا أستطيع أن أحدد يوم محدد أو موقف. لكنها كانت فترة توقفت فيها قسراً، ووجدت نفسي أمام سؤال لم أستطع تجاهله هذه المرة:

"إذا واصلت على نفس الطريقة،ايش بنجز ووين راح أوصل؟"

الجواب الذي جاء لم يكن مريح. أدركت أنني كنت أعيش على وضع الطيار الآلي. أتحرك، أنجز ما أمامي، لكن بدون أن أقرر فعلاً. بدون أن أختار بوعي كيف أقضي وقتي، وأين أضع طاقتي، ولماذا أفعل ما أفعله. تلك كانت اللحظة الفاصلة بالنسبة لي. حين أدركت أن الحل ليس في أن أعمل أكثر، بل في أن أفهم أكثر. أن الوعي، لا الجهد، هو البداية الحقيقية لأي تغيير.


نحن نعيش في زمن عجيب. لم يسبق في التاريخ أن كانت المعلومة بهذا الوفرة وهذه السهولة. كل شيء متاح، كل شيء في متناول يدك، كل معرفة تريدها تجدها في دقائق. وبالتالي كان الافتراض المنطقي أننا يجب أن نكون الجيل الأكثر تطوراً والأعلى وعياً في التاريخ. لكن الواقع مختلف !

لم يسبق أيضاً أن كان الإنسان مشتت بهذا الشكل. لم يسبق أن كانت المطالب بانتباهه بهذا الحجم والشدة. كل تطبيق، كل منصة، كل إشعار، مصمم بعناية واحترافية عالية لاستهلاك أكبر قدر ممكن من وقتك وتفكيرك. تعلمنا كيف نملأ أوقاتنا، لكننا لم نتعلم كيف نوجهها. تعلمنا كيف ننجز، لكننا لم نتعلم دائماً لماذا ننجز. تعلمنا كيف نتحرك بسرعة، لكننا لم نتعلم كيف نتقدم بوعي. النقص اليوم ليس في المعلومة. النقص في الانتباه، وفي المعنى. وحين يغيب المعنى، يصبح كل شيء مجرد نشاط. تتعب لكنك لا تبني. تتعلم لكنك لا تتعمق. تتحرك لكنك لا تتقدم. والأخطر من كل هذا، أنك تشعر طوال الوقت بأن شيئاً ما ناقص، دون أن تعرف بالضبط ما هو.

هذه النشرة وُلدت من هذا المكان بالضبط.

وُلِدت من حاجة شخصية قبل أن تكون فكرة للآخرين. ليست فكرة نظرية خطرت لي ذات يوم وقررت أكتب عنها. هي خلاصة فترة مررت بها فعلاً. فترة شعرت فيها بالضياع وسط الزحام، وقررت فيها أن أتوقف. ليس استسلام، بل لأفهم. في تلك الفترة بدأت ألاحظ أشياء لم أكن أراها وأنا في وضع الجري الدائم. لاحظت مثلاً أن كثيراً من قراراتي لم تكن قرارات حقيقية. كانت استجابات تلقائية، ردود فعل لتوقعات الناس أو تكرار لعادات تشكلت منذ سنوات لم اختارتها بوعي. لاحظت أن بعض الأشياء التي كنت أضغط على نفسي لأجلها، ما كانت أشياء أريدها أنا فعلاً، بل أشياء يُفترض أنني يجب أن أريدها. وما خرجت به من تلك الفترة لم يكن أنظمة إنتاجية أو قوائم مهام مثالية. ما خرجت به كان شيئاً أبسط: أن الطريق للأمام لا يبدأ بفعل أكثر، بل بفهم أوضح لنفسك.


خلال الفترة القادمة، سأشارككم ثلاث أفكار مترابطة تشكل أعمدة هذه النشرة:

  1. الوعي: كيف نرى أنفسنا بوضوح؟ وكيف نوقف وضع "الطيار الآلي" لنبدأ بملاحظة ما يجري في أعماقنا فعلاً؟.

  2. التركيز: كيف ندير انتباهنا بذكاء، ونوجه طاقتنا لما يستحق، ونتعلم بعمق بعيداً عن التشتت؟.

  3. التقدم: كيف نبني نمطاً ثابتاً من النمو، ونوازن بين طموحنا الكبير وحاجتنا للراحة والسكينة؟.

  4. منهجيتنا هنا بسيطة كل مفهوم سنتناوله مرتين مرة لنفهمه نظرياً بعمق، ومرة لنعيشه عملياً بخطوات واقعية تلمس يومنا. لأن التحسن الحقيقي لا يبدأ من الخارج، بل من تلك اللحظة الصغيرة من الوعي التي تنبت في الداخل. عندما نبدأ برؤية ما لم نكن نراه في أنفسنا، وفهم ما كنا نفعله بلا قصد، هنا بالضبط يتغير كل شيء: طريقة تعلمنا، جودة تركيزنا، وحتى نظرتنا للتقدم نفسه. هذه الرحلة هي دعوة لنتوقف عن الركض العشوائي، ونبدأ بالسير بوضوح. لأن الهدف ليس أن نكون "أفضل" بمعايير العالم، بل أن نكون "أوضح" بمعايير أنفسنا.

التالي في النشرة

الوعي - أن ترى نفسك قبل أن تبدأ

اقرأ المنشور 2
للأعلى