نسخة أوضح مني — تدوينة 06
الخطوة المفقودة بعد الوعي والتركيز
الفرق بين (الحركة) الصاخبة و(التقدم) الهادئ. أن تنجز الأهم، لا الأكثر.

بدأنا بالوعي، لنرى أنفسنا بصدق. ثم انتقلنا للتركيز، لندير انتباهنا بوعي.
والآن يأتي السؤال الذي لا مفر منه:
وماذا بعد؟
ما فائدة أن ترى نفسك بوضوح، وأن تحضر في اللحظة، إذا لم يتحول كل هذا إلى حركة ذات معنى؟
كانت عندي أهداف كثيرة. ربما أكثر من اللازم. أهداف في الصحة، وفي العمل، وفي القراءة، وفي تطوير مهارات جديدة، وفي العلاقات، وفي الأشياء التي طالما قلت لنفسي يوماً ما سأبدأ بها. كنت أستيقظ كل يوم وفي رأسي قائمة لا تنتهي. وكنت أتحرك فعلاً. أتعلم، أخطط، أجرب، أبدأ مشاريع جديدة. كنت منشغل بشكل حقيقي، مو انشغال وهمي. لكن في نهاية كل أسبوع، لما كنت أجلس وأسأل نفسي بصدق هل تقدمت؟ كان الجواب يحيرني. لم أكن أعرف كيف أجيب. لأنني تحركت كثير، لكنني لم أكن أعرف إلى أين. المشكلة لم تكن في الجهد. ولم تكن في الوقت. كانت في غياب الوجهة.
هذا هو الفخ الذي لا يتحدث عنه أحد بصراحة كافية. فخ الخلط بين الحركة والتقدم. الحركة هي الانشغال. هي أن تملأ يومك بأشياء كثيرة، وتنهيه مُرهق، وتشعر بأنك أنجزت لأنك كنت مشغول. الحركة مريحة نفسياً لأنها تعطيك إحساس بأنك لا تضيع وقتك. لكنها في الغالب مجرد نشاط بلا اتجاه. تدور في دائرة واسعة تبدو وكأنها تقدم، لكنك تعود لنفس النقطة في كل مرة.
التقدم شيء مختلف تماماً. هو حركة واعية ومركزة باتجاه شيء واحد واضح. وأحياناً يعني التقدم أن تفعل أقل، لا أكثر. أن تتجاهل عشرين فكرة لامعة لتبقى مع فكرة واحدة تبنيها حتى النهاية. أن تقول لا لهدف جديد مثير لأن أمامك هدف لم تنهيه بعد. أما الحركة صاخبة وسريعة ومشتتة. التقدم هادئ وبطيء ومقصود.
والفرق بينهما لا تشعر به في اليوم الواحد. تشعر به بعد شهور، حين تنظر للخلف وترى إما جذوراً بدأت تتعمق، أو مسافة طويلة جُريت فيها لكنها لم توصلك لأي مكان.
أحد أكبر أسباب هذا الخلط هو كثرة الأهداف بدون وضوح الوجهة. لما تكون عندك أهداف كثيرة في نفس الوقت، يحدث شيء غريب في الداخل. كل هدف يسحبك باتجاه، وأنت تحاول أن ترضي الجميع. تعطي كل هدف شيئ، لكنك لا تعطي أي منها ما يكفي. تشعر بالذنب لما تركز على شيء واحد لأن بقية الأهداف تنتظر. وتشعر بالضياع حين تحاول فعل كل شيء لأنك تعلم في قرارة نفسك أنك لا تستطيع.
النتيجة؟ تتحرك في عشرة اتجاهات وتتقدم في لا شيء.
وهذا ليس ضعف في الشخصية. هذا ما يحدث حين يغيب السؤال الأهم: ما الشيء الواحد الذي لو تقدمت فيه الآن، سيغير كل شيء آخر؟
التقدم الواعي يبدأ من هذا السؤال بالتحديد. ليس "ما هي أهدافي كلها؟ " بل " ما هو الأهم منها الآن؟ "
وهذا يحتاج شجاعة من نوع خاص. شجاعة أن تترك أشياء تحبها وتريدها، ليس لأنها غير مهمة، بل لأن وقتها لم يأتِ بعد. شجاعة أن تختار بوعي بدل أن تلاحق كل شيء. الوعي يخرجنا من الحركة العمياء. التركيز يخرجنا من الحركة المشتتة. لكن التقدم الواعي هو ما يجمعهما في اتجاه واحد واضح.
لكن هناك شيء مهم لا بد أن أكون صادقاً فيه.
حتى حين تعرف هذا كله، حين ترى الفرق بوضوح وتعرف ما الذي تريده فعلاً، لا يزال هناك شيء ينقصك. لأن النية وحدها لا تكفي. يمكنك أن ترى نفسك بوضوح وتعرف وجهتك وتفهم الفرق بين الحركة والتقدم، لكن حين يأتي صباح ثقيل وأنت لا تشعر بأي حماس، تجد نفسك تعود لنفس الأنماط القديمة. تبدأ بالانشغال لأنه أسهل، وتؤجل الأهم لأنه أصعب.
النية تحتاج إلى شيء يحميها في أيام الثقل. تحتاج إلى نظام.
في المنشور القادم سنتحدث عن هذا النظام بالتحديد. كيف نبنيه، وكيف يجعل التقدم ممكناً حتى في الأيام التي يغيب فيها الحماس تماماً.